أصبح من نافلة القول الحديث عن تميز الشاعر الكبير/ عبدالله عبدالوهاب نعمان “الفضول” شاعر الكلمة المعبرة والموقف الصادق، سواء أكان ذلك في ماكتبه للأغنية بوجه خاص أو الأنشودة الوطنية، أو في عموم شعره أو آثاره النثرية، وهي خصوصيات إنسانية قبل كونها خصوصيات تعبيرية لكل متأمل في انتاجه الإبداعي
ولما أن كان الأمر كذلك فإن النظر في كثرة اعادته كرة وكرتين وثلاثاً، لا يمكن أن يكل أو يمل، لأن في أسلوب هذا الشاعر ما يمنحه الجدة لما اتسم به من التجديد “يزيدك حسنه حسناً إذا مازدته نظراً”. على أننا في هذه المقاربة وهي في محبة هذا الشاعر، سنحاول أن نقف على بعض معالم التفرد في أسلوبه الإبداعي من قبيل التحية له في ذكراه والإشارة لكل محب للأدب ومهتم به، إلى ما يجب أن يكون عليه وكيفية تشكيل تلك الكينونة.
والشاعر/ عبدالله عبدالوهاب نعمان وأحسب أنه ليس من المبالغة في شيء بأنه ـ حتى اليوم على كثرة محبيه من خلال صوت الفنان الكبير/ أيوب طارش، لم يحظ بما يستحقه من الاهتمام والعناية اللائقين بمكانته الإبداعية والأدبية.
ويشكر لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين هذه اللفتة بين آونة وآخرى إلى أولئك الأعلام الذين أثروا حياتنا وأحاسيسنا بإبداعاتهم، على أن هذه الورقة وهي إشارة جد بسيطة إذا ما نظرنا إلى شموخ هامة المعني بها.
ظواهر أسلوبية في غنائيات “عبدالله عبدالوهاب نعمان (الفضول)”:-
ظل عبدالله عبدالوهاب نعمان طائراً مغرداً خارج السرب على امتداد فن الغناء اليمني تحديداً والعربي عموماً، فقد فتح في عالم الغناء باباً متميزاً من حيث اختيار الكلمة العميقة “قريبة المأخذ بعيدة المعنى فهو لا يتعالى على المتلقي في اختيار مفرداته، فلا يوغل في الكلمات المغرقة في المعجمية، ولا يبسط في انتقائها حداً لابتذال كما هو عليه الحال في كثير من أغاني هذا العصر، بحيث يتذوق كل سامع تلك المفردات من يوميات الناس وتداولاتهم المعيشية ليلبسها حلة فنية قشيبة الوجدان.
وقد شاع الوصف لشعر كثير من الغنائيين أنهم يعمدون إلى “العامية المفصحة” أو ما يصطلح على تسميتها باللغة الوسطى تلك التي تأخذ من العامية قربها من المتلقي وشيوعها قدر أخذها من الدارس المتخصص في علوم اللغة جلال اللغة وترفعها على الابتذال والاستهلاك، وهي مواءمة إبداعية لا تتيسر إلا لكل ذي دراية وعناية، إلا أن ذلك الوصف الشائع لا يتحقق في شاعر كما يتحقق شرطه في “عبدالله عبدالوهاب نعمان”، فشعره سهل ممتنع يجمع بين طرفي الرقة والمتانة ـ إن جاز هذا التعبير ـ وهي خصوصية يسهل الدوران حولها ويصعب الغوص فيها.
ولا أظن أن الشاعر كان يقصد إليها قصد صاحب الصنعة، فهي متأتية في شعره بالطبع والسليقة، بخبرة الإنسان المدرك وتجربة الفنان المثقف.
ودلالةً على ذلك يحضرني أن استشهد هنا شاعر آخر هو “نزار قباني” في مقارنة خاطفة بين بيتٍ لكل منهما.
يقول نزار : عشرون عاماً ياكتاب الهوى ولم أزل في الصفحة الأولى
بينما يقول عبدالله عبدالوهاب نعمان
وكلما قلت تمَّينا كتاب الهوى أمسى الهوى عندي يؤلف كتاب
على ما في البيتين من التناص يبدو جلياً لكل متأمل تفوق/ عبدالله عبدالوهاب نعمان في توليد المعنى وتعميق الدلالة. فالهوى عنده يؤلف كتاباً جديداً كلما اعتقد أنه فرغ من تأليف كتاب الهوى يستمر الحال إلى مالا نهاية، وواضح هنا كيف تسنت له إدارة المعنى من خلال إدارة المفردة على محدودية كلمتي “كتاب، وكلمة الهوى”.
وهكذا يظل دأب “الفضول” في إدارة مفرداته ليولد منها الدلالات العميقة، وحيث أنه لا شعرية للمفردة في ذاتها، إذ تأتي قيمتها الجمالية من م













